وإنِّي لأستحييهِ والتُّربُ بينَنا كما كنتُ أستحييهِ حينَ يرانِي
أهابُكَ إجلالاً وإنْ كنتَ في الثَّرَى لوجهكَ يوماً إنْ يسؤْكَ مكانِي
يا صاحبَ القبرِ يا مَنْ كانَ ينعمُ بي عيشاً ويكثرُ في الدُّنيا مؤاتاتِي
نسيتَ ما كنتَ مِنْ قربِي تحبُّ وما قدْ كانَ يُلهيكَ مِنْ ترجيعِ أصواتِي
أزورُ قبركَ في حلْيٍ وفي حُللٍ كأنَّني لستُ مِنْ أهلِ المصيباتِ
فمنْ رآنِي مِنْ حزنِي مفجَّعةً طويلةَ الحزنِ في زوَّارِ أمواتِ
كنَّا كغُصنينِ في أرضٍ غِذاؤهُما ماءُ الجداولِ في روضاتِ جنَّاتِ
وكانَ عاهدَني إنْ خانَني زمنٌ ألاَّ يضاجعَ أُنثَى بعدَ مثواتِي
وكنتُ عاهدتهُ أيضاً فعاجلَهُ ريبُ المنونِ قريباً مُذْ سُنيَّاتِ
فاردعْ عنانكَ عمَّنْ ليسَ يخلبُها عنِ الوفاءِ خلاَبٌ بالتَّحيَّاتِ
لا صنتُ وجهاً كنتَ صائنهُ يوماً ووجهكَ في الثَّرى يبلَى
يا عِصمتي في النَّائباتِ ويا رُكني القويَّ ويا يدي اليُمنَى
وقائلةٍ لمَّا رأتْني مدلَّهاً أُناديكَ تاراتٍ وأبكيكَ تاراتِ
لقدْ كنتَ جلداً للرَّزيَّاتِ قبلَها فقلتُ لها ليستْ كإحدَى الرَّزيَّاتِ
أصابَ بكَ الدَّهرُ الرَّزيَّةَ واشتفَى بيومكَ مِنْ أيَّامِ لهوِي ولذَّاتي
وأقسمتُ أبكِي بعدَ توبةَ هالكاً وأحفلُ مَنْ دارتْ عليهِ الدَّوائرُ
لعمركَ ما بالموتِ عارٌ علَى الفتَى إذا لمْ تصبْهُ في الحياةِ المعايرُ
ولا الحيُّ ممَّا يحدثُ الدَّهرُ معتبٌ ولا الميتُ إنْ لمْ يصبرِ الحيُّ ناشرُ
وما أحدٌ حيّاً وإنْ كانَ ناجياً بأخلدَ ممَّنْ غيَّبتهُ المقابرُ
وكلُّ شبابٍ أوْ جديدٍ إلى بلًى وكلُّ امرئٍ يوماً إلى اللهِ صائرُ
ولو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْ عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوْ زَقَا إليها صدًى مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ
دعوتكَ يا عليُّ فلمْ تجبْني فرُدَّتْ دعوَتي يأساً عليَّا
بموتكَ بانتِ اللَّذَّاتُ عنِّي وكانتْ حيَّةً إذ كنتَ حيَّا
فيا أسفِي عليكَ وطولَ شوقِي إليكَ لَوَ انَّ ذاكَ يردُّ شيَّا
سقَى اللهُ الجزيرةَ لا لشيءٍ سوَى أنْ يرتَوي ذاكَ القُليبُ
نصيبِي كانَ مِنْ دُنيايَ ولَّى فلا الدُّنيا تحسُّ ولا النَّصيبُ
تولَّى العيشُ إذ ولَّى التَّصابي وماتَ الحبُّ إذ ماتَ الحبيبُ
بنا أنتِ مِنْ مجفوَّةٍ لمْ تعتَّبِ ومعذورةٍ في هجرها لمْ تؤنَّبِ
ونازحةٍ والدَّارُ منها قريبةٌ وما قربُ ثاوٍ في التُّرابِ مغيَّبُ
لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
كانتْ إذا هجرَ الضَّجيعُ فراشَها صِينَ الحديثُ وعفَّتِ الأسرارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يكرُّ عليهمِ ونهارُ
طوَى الموتُ ما بينِي وبينَ محمَّدٍ وليسَ لِما تطوِي المنيَّة ناشرُ
لئنْ عمرتْ دورٌ بمنْ لا أُحبُّهُ لقدْ عمرتْ ممَّنْ حبُّ المقابرُ
وكنتُ عليهِ أحذرُ الموتَ وحدهُ فلمْ يبقَ لي شيءٌ عليهِ أُحاذرُ
كُتبَ السَّواد لناظري تبكي عليكَ وناظرُ
مَنْ شاءَ بعدكَ فليمُتْ فعليكَ كنتُ أُحاذرُ
لئنْ أنا لمْ أُدركْ منَ الموتِ ثَارِيا ولمْ أشفِ قرحاً دامياً مِنْ فؤادِيا
لتختَرِ مَنِّي الحادثاتُ وحسرَتي بأحمدَ في سوداءِ قلبي كما هِيا
لقدْ أفسدَ الدُّنيا عليَّ فراقهُ وكدَّرَ منها كلَّ ما كانَ صافِيا
وأذكرُ ألاَّ نلتَقي فكأنَّما أُعالجُ أنفاسَ المنايا القواضِيا
ويمنعُني مِنْ لذَّةِ العيشِ أنَّني أراكَ إذا فارقتُ لهواً ترانِيا
هوَ الدَّهرُ لا يشوِي وهنَّ المصائبُ وأكثرُ آمالِ النُّفوسِ كواذبُ
وقلتُ أخِي قالُوا أخٌ مِنْ قرابةٍ فقلتُ نعمْ إنَّ الشُّكولَ أقاربُ
نَسيبيَ في رأيٍ وعزمٍ ومذهبٍ وإنْ باعدتْنا في الأُصولِ المناسبُ
كأنْ لمْ يقلْ يوماً كأنَّ فتنثنِي إلى قولهِ الأسماعُ وهيَ رواغبُ
ولمْ أتجهَّمْ ريبَ دهرِي برأيهِ فلمْ يجتمعْ لي رأيهُ والنَّوائبُ
عجبتُ لصبرِي بعدهُ وهوَ ميِّتٌ وكنتُ امرءاً أبكِي دماً وهوَ غائبُ
علَى أنَّها الأيَّامُ قدْ صرنَ كلُّها عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ
سقَى بالمُوصلِ القبرَ الغريبا سحائبُ ينتحبْنَ لنا نَحيبا
فإنَّ ترابَ ذاكَ القبرِ يحوِي حبيباً كانَ لي يُدعَى حَبيبا
فقدْنا منكَ عِلقاً كانَ يُدني إلينا البرَّ والنَّسبَ القَريبا
فلمَّا بنتَ نكَّرتِ اللَّيالي قريبَ النَّاسِ والأقصَى الغَريبا
وأبدَى الدَّهرُ قبحَ صحيفتيهِ ووجهاً كالحاً جَهماً قطُوبا
فأحرِ بأنْ يطيبَ الموتُ فيهِ وأحرِ بعيشهِ ألاَّ يَطيبا
مَنْ لي بمثلكَ يا روحَ الحياةِ ويا يُمنى يديَّ وقدْ شُلَّتْ منَ العضُدِ
مَنْ لي بمثلكَ أرعاهُ لحادثةٍ تُشكَى إليهِ ولا تُشكى إلى أحدِ
قدْ ذقتُ أنواعَ ثُكلٍ أنتَ أبلغُها منَ القلوبِ وأخناها علَى الجلَدِ
فاليومَ لمْ يبقَ شيءٌ أستريحُ لهُ إلاَّ تفتُّتُ أحشائِي منَ الكمَدِ
قلْ للرَّدَى لا يُغادرْ بعدهُ أحداً وللمنيَّةِ مَنْ أحببتِ فاعتمدِي
إنَّ السُّرورَ تقضَّى يومَ فارقَني وآذنَ العيشُ بالتَّكديرِ والنَّكدِ
كلُّ حيٍّ لاقِي الحِمامَ فمُودِي ما لحيٍّ مؤمَّلٍ مِن خُلودِ
لا تهابُ المنونُ خلقاً ولا تُب قِي علَى والدٍ ولا مولودِ
فَلَوَ انَّ الأيَّامَ يُخلدنَ شيئاً لعُلاهُ أخلدنَ عبدَ المجيدِ
ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ غيَّبتهُ ما غيَّبتْ في الصَّعيدِ
إنَّ عبدَ المجيدِ يومَ تولَّى هدَّ ركناً ما كانَ بالمهدودِ
هدَّ رُكني عبدُ المجيدِ وقدْ كنْ تُ بركنٍ أنوءُ منهُ شديدِ
حينَ تمَّتْ آدابهُ وتردَّى برداءٍ منَ الشَّبابِ جديدِ
وسمتْ نحوهُ العيونُ وما كا نَ عليهِ لزائدٍ مِنْ مَزيدِ
فإذا ما ذكرتهُ عرضتْ لي غُصَّةٌ في اللّهَى وحبلِ الوريدِ
وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ حينَ أدعوهُ مِنْ مكانٍ بعيدِ
فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقدْ كا نَ سَميعاً هشّاً إذا هوَ نُودي
كانَ لي عصمةً فأودَى بهِ الدَّه رُ فيا حسرةَ الفريدِ الوحيدِ
يا فتًى كانَ للمقاماتِ زَيناً لا أراهُ في المشهدِ المشهودِ
لهفَ نفسِي ألاَّ أراكَ وهلْ عنْ دكَ لي إنْ دعوتُ مِنْ مردودِ
خُنتكَ الودَّ لمْ أمتْ كمَداً بعْ دكَ إنِّي عليكَ حقُّ جليدِ
لوْ فدَى الحيُّ ميّتاً لفدتْ نفْ سكَ نفسِي بطارِفِي وتَليدي
ولئنْ كنتُ لمْ أمتْ مِنْ جوَى الحزْ نِ عليهِ لأبلغنْ مجهُودي
لأُقيمنَّ مأتماً كنجومِ اللَّيْ لِ غُرّاً يلطمنَ حرَّ الخدودِ
موجعاتٍ يبكينَ للكبدِ الح رَّى عليهِ وللفؤادِ العميدِ
أمثلُ الَّذي ألقَى يُقاومهُ صبرُ فأصبرَ أمْ مثلي يُنهنهُهُ الزَّجرُ
لئنْ كنتُ غرّاً بالَّذي قدْ لقيتهُ لفي فقدِ تمييزِي يحقُّ ليَ الأجرُ
تقضَّتْ صباباتِي إليهِ وقصَّرتْ ظنوني بهِ بلْ ليسَ ظنٌّ ولا ذكرُ
وكفَّ رجائِي فاطمأنَّتْ مَخافتي فلمْ يبقَ لي إلاَّ التَّأسُّفُ والفكرُ
فما لي رجاءٌ غيرَ قربِ منِّيَّتِي ولا خوفَ إلاَّ أنْ يطولَ بيَ العمرُ
ولوْ لمْ يحُل أسرُ المنيَّةِ بينهُ وبينيَ لم أحفلْ بما صنعَ الدَّهرُ
فليتَ المنايا وحدَها سمحتْ بهِ ونازَعَنيهِ البينُ والهجرُ والغدرُ
ذكرَ النَّعيُّ وما كَنَا بجميلِ وثوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفولِ
غدرَ الزَّمانُ بفارسٍ ذِي بَهمةٍ ثبتٍ إذا جعلَ اللّواءُ يزولُ
وإنَّ سلوِّي عنْ جميلٍ لساعةٌ منَ الدَّهرِ ما جاءتْ ولا حانَ حينُها
سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها
ألا أيُّها القصرُ المغفَّلُ أهلهُ نعَيْنا إليكمْ عُروةَ بنَ حزامِ
ألا أيُّها الرَّكبُ المُخِبُّونَ ويحَكُم بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بنَ حزامِ
نعمْ قدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ مُقيماً بها في سبسبٍ وأكامِ
فإنْ كانَ حقّاً ما تقولونَ فاعلمُوا بأنْ قدْ نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ
فلا لقيَ الفتيانُ بعدكَ لذَّةً ولا رَجعوا مِنْ غيبةٍ بسلامِ
ولا وضعتْ أُنثَى تماماً بمثلهِ ولا فرحتْ مِنْ بعدهِ بغُلامِ
ولا لا بلغتمْ حيثُ وجِّهتمُ لهُ ونُغِّصتمُ لذَّاتِ طلِّ طعامِ
المصدر · Source: Al-Aghani. Ed. A. al-Isfahani