جميع المقالات ←

Rumi and the Language of Longing: The World's Most-Read Poet

جلال الدين الرومي: لسان الشوق وصاحب المثنوي

كتب جلال الدين الرومي بالفارسية، غير أن روحه تنتمي إلى الفضاء الروحي والأدبي الإسلامي الأشمل. هذه قصة الناي وشمس تبريز والمثنوي الذي لا يزال يوقف الأنفاس.

ثمّة مفارقة لافتة في قلب شهرة الرومي. كتب جلال الدين محمد البلخي — المعروف في الفضاء الفارسي بـ«مولانا»، وفي العالم التركي بـ«مولانا» كذلك، وعند القارئ الغربي بـ«رومي» — كتب شعره أساسًا بالفارسية. ومع ذلك فإن نفَسه يجري في الأجواء ذاتها التي تنتمي إليها العريقات العربية الكبرى: مشبعًا بالإيقاع القرآني، مصاغًا من المعجم الفلسفي والصوفي العربي الذي جعل العصر الذهبي الإسلامي ممكنًا.

من بلخ إلى قونية

وُلد الرومي عام ١٢٠٧م في بلخ بما يعرف اليوم بأفغانستان، في أسرة لأبيه بهاء الدين ولد مكانةٌ رفيعة في التصوف والكلام. حين داهم المغول بلاد خراسان رحلت الأسرة غربًا — عبر نيسابور وبغداد ومكة المكرمة — لتستقرّ في النهاية بقونية في الأناضول، حيث سيقضي الرومي بقية عمره وينسج ثمّة تقريبًا كلّ ما وصلنا من إبداعه. تلقّى تعليمًا شاملًا في الفقه والكلام والأدب العربي والفارسي العريقين. كان عالمًا محترمًا قبل أن يصير شاعرًا. وما حوّله من فقيه متمكّن إلى أحد أشدّ الشعراء توهّجًا في التاريخ كان لقاءً واحدًا لا غير.

شمس تبريز: البرق الذي أضاء الديوان

في عام ١٢٤٤م، التقى الرومي في أزقّة قونية بدرويشٍ متجوّل اسمه شمس الدين التبريزي. ما دار بينهما في تلك اللحظة لم يُدوَّن. ما نبع منها كان انفجارًا روحيًا وإبداعيًا لم تشهد له الأدبية الإسلامية مثيلًا. كان شمس متفلّتًا من كلّ قيد اجتماعي، حاملًا سؤالًا يحرق كل من يقترب منه. رأى في الرومي الشاعرَ المحبوس داخل الفقيه، فكسر قضبان ذلك السجن.

انهمر الرومي على الشعر بعجلة أذهلت المحيطين به. حين اختفى شمس — ذُبح على يد مريدين غيورين، أو غاب باختياره، والأمر مثار جدل — تحوّل حزن الرومي وشوقه إلى محرّك لأعظم أعماله. يضمّ ديوان شمس أكثر من أربعين ألف بيت شعري، وهو من أرفع ما أنجزه التراث الأدبي العالمي.

اِسْتَمِعْ لِلنَّايِ كَيْفَ يَحْكِي شَكْوَاهُ
وَعَنِ الأَشْوَاقِ يَرْوِي قِصَصَاهُ
يَقُولُ: مُنْذُ أَن قُطِعْتُ عَنِ الأَصْلِ
رَثَى لِشَكْوَايَ رِجَالٌ وَنِسَاهُ

«اسمع للناي كيف يحكي شكواه، ويروي عن الأشواق قصصاه. يقول: منذ أن قطعت عن الأصل، رثى لشكواي رجال ونساه.» — مطلع المثنوي، في ترجمة عربية

المثنوي: بحرٌ لا يُقاس

المثنوي المعنوي هو التاج الذي وضعه الرومي على رأس أعماله. ستّة كتب تضمّ نحو خمسة وعشرين ألف بيت، استغرق نظمها أكثر من عقد. وصفه الرومي بأنه «أصل أصول الدين». وسمّاه الشاعر الفارسي الكبير جامي «القرآن بالفارسية».

ليس المثنوي رسالةً عقدية منهجية؛ هو نهرٌ. تتدافع فيه الحكايات والأمثال والتأملات والنوادر والدموع والضحكات — وكلّها تدور حول سرّ واحد: حنين الروح إلى أصلها. الناي الذي يفتتح به الكتاب هو الصورة المركزية: قُطع من البردية فأضحى يبكي. وكلّ روح بشرية — يقول الرومي — هي ذلك الناي. وكلّ شوق نحسّه — للحبّ أو المعنى أو الله — هو صوت ذلك القطع.

النَّارُ هِيَ الَّتِي حَلَّت فِي النَّايِ
وَشَوقُ الحُبِّ جاءَ بِهذا الهِيَاجِ

«النار هي التي حلّت في الناي، وشوق الحبّ هو الذي جاء بهذا الاشتعال.»

الرومي في الأدب العربي

لمن يقرأ الأدب العربي الصوفي، فإن لقاء الرومي لقاءٌ مألوف ومدهش معًا. مألوفٌ لأن المفاهيم التي يجسّدها — الفناء والعشق الإلهي والتجلّي — تجري في شرايين الشعر الصوفي العربي منذ أبي نواس والحلّاج وابن الفارض. مدهشٌ لأن أسلوبه الخاصّ لا يشبه أحدًا: أدفأ من ابن عربي، أكثر سردية من الحلّاج، أشدّ مرحًا من سائر أسلافه. ترجمته إلى العربية صناعةٌ راسخة بحدّ ذاتها، وقد أبدع في ذلك شعراء ومترجمون من إبراهيم الدسوقي شتا إلى عبد الغفار مكاوي. وتضمّ بعض موسوعات الأدب العربي مقاطع من المثنوي بوصفها من كنوز الأدب الإسلامي المشترك.

الرومي حيًّا

في قونية اليوم يستقبل متحف مولانا آلاف الزوّار أسبوعيًا. حُفلت قائمة اليونسكو للتراث الإنساني غير المادي بحفل السماع المولوي عام ٢٠٠٨م. وتُقتبس أبياته في المساجد والمقاهي والمستشفيات وخطب الأعراس في أرجاء العالم الإسلامي وما وراءه. ما تحرص نور الحكمة على حفظه هو بعضٌ من هذا الإرث الحيّ: الفهم بأن الشعر ليس زينةً بل أداةُ معرفة. لقد أدرك الرومي هذا أكثر من سواه. كتب لا ليُعجَب به بل ليُفهَم — وفي ذلك ما زال ينجح.

جرّبه بنفسك

اقرأ القصائد خلف الكلمات

اقرأ واستمع واستكشف الشعر العربي العريق مع نديم رفيقك — مجانًا على iOS

حمّل من متجر التطبيقات